فخر الدين الرازي

183

تفسير الرازي

البحث الأول : قرأ ابن كثير * ( ضيقاً ) * ساكنة الياء وكذا في كل القرآن ، والباقون مشددة الياء مكسورة ، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد ، كسيد وسيد ، وهين وهين ولين ولين ، وميت وميت ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم * ( حرجاً ) * بكسر الراء ، والباقون بفتحها قال الفراء : وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوجل والوجل ، والقرد والقرد ، والدنف والدنف . قال الزجاج : الحرج في اللغة أضيق الضيق ومعناه : أنه ضيق جداً ، فمن قال : أنه رجل حرج الصدر بفتح الراء فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال : حرج جعله فاعلاً ، وكذلك رجل دنف ذو دنف ، ودنف نعت . البحث الثاني : قال بعضهم : الحرج ، بكسر الراء الضيق ، والحرج بالفتح جمع حرجة ، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية . وحكى الواحدي في هذا الباب حكايتين : إحداهما : روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال : هل ههنا أحد من بني بكر . قال رجل : نعم . قال : ما الحرجة فيكم . قال : الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه . فقال ابن عباس : كذلك قلب الكافر . والثانية : روى الواحدي عن أبي الصلت الثقفي قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية ، ثم قال : ائتوني برجل من كنانة جعلوه راعياً فأتوا به ، فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم . قال : الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا وحشية . فقال عمر : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير . أما قوله تعالى : * ( كأنما يصعد في السماء ) * ففيه بحثان : البحث الأول : قرأ ابن كثير * ( يصعد ) * ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم * ( يصاعد ) * بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد ، والباقون * ( يصعد ) * بتشديد الصاد والعين بغير ألف ، أما قراءة ابن كثير * ( يصعد ) * فهي من الصعود ، والمعنى : أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود إلى السماء ، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب ، فكذلك الإيمان ثقيل على قلب الكافر وأما قراءة أبي بكر * ( يصاعد ) * فهو مثل يتصاعد . وأما قراءة الباقين * ( يصعد ) * فهي بمعنى يتصعد ، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى يتصعد يتكلف ما يثقل عليه . البحث الثاني : في كيفية هذا التشبيه وجهان : الأول : كما أن الإنسان إذا كلف الصعود إلى السماء ثقل ذلك التكليف عليه ، وعظم وصعب عليه ، وقويت نفرته عنه ، فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته عنه . والثاني : أن يكون التقدير أن قلبه ينبو عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان ، فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء .